الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

392

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

العمد قابلة للتوبة ؟ ! لقد رد جمع من المفسرين بالنفي صريحا على هذا السؤال ، وقالوا : أن هذه الجريمة التي ورد ذكرها في الآية موضوع البحث غير قابلة للتوبة مطلقا ، حيث أشارت الروايات الواردة في هذا الأمر إلى ذلك ، فقد صرحت الروايات بأن لا توبة لقاتل المؤمن عمدا . ولكن الذي نستنتجه من روح التعاليم الإسلامية ، وروايات الأئمة ( عليهم السلام ) ، وغيرهم من علماء الدين الكبار ، وكذلك من فلسفة التوبة القائمة على أساس التربية والوقاية من الوقوع في الذنوب والخطايا في مستقبل الفرد المسلم . . . المستخلص من ذلك كله هو أنه لا يوجد ذنب غير قابل للتوبة ، لكن التوبة من بعض الذنوب تكون مقيدة بشروط قاسية جدا يصعب بل يستحيل أحيانا على الفرد تحقيقها . والدليل على هذا الأمر هو قول القرآن الكريم : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( 1 ) . وقد قلنا في تفسير هذه الآية : إنها وردت في شأن العفو عن الذنوب بواسطة الشفاعة وما شاكل ذلك ، ولكن المعروف أنه حتى الشرك - ذاته - يعتبر من الجرائم والذنوب القابلة للتوبة ، إذا تخلى الإنسان عنه وعاد فآمن بالله الواحد الأحد وأسلم وجهه لله ، كما حصل للجاهليين الذين تخلوا عن شركهم وقبلوا الإسلام وتابوا إلى الله فعفا عنهم وغفر لهم ذنوبهم السابقة . ويتبين من هذا العرض الموجز أن كل الذنوب - حتى الشرك - قابلة للتوبة ، وتؤكد على ذلك الآيتان ( 53 و 54 ) من سورة الزمر حيث يقول تعالى : إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له . وقد ذكر بعض المفسرين أن الآيات التي تتحدث عن غفران جميع الذنوب

--> 1 - النساء ، 47 .